الطبراني

355

التفسير الكبير ( تفسير القرآن العظيم )

ويحكى : أنّ يهوديا كانت له حاجة إلى هارون الرشيد ، فاختلف إلى بابه زمانا فلم يقض حاجته ، فوقف يوما على الباب ، فخرج هارون وهو يسعى بين يديه ، فقال له : اتّق اللّه يا أمير المؤمنين ! فنزل هارون عن دابّته وخرّ ساجدا ؛ فلما رفع رأسه أمر بحاجته فقضيت . فقيل له : يا أمير المؤمنين ، نزلت عن دابّتك لقول يهودي ؟ ! قال : لا ، ولكن ذكرت قول اللّه ( وَإِذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ ) . قوله عزّ وجلّ : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ ؛ قال ابن عباس : ( نزلت هذه الآية في صهيب بن سنان وعمّار بن ياسر وأمّه سميّة وأبيه ياسر وبلال وخبّاب بن الأرتّ وغيرهم ، أخذهم المشركون في طريق مكّة ؛ فعذّبوهم ، فأمّا صهيب فقال لهم : أنا شيخ كبير لا يضرّكم أمنكم كنت أم من عدوّكم ، أعطيكم جميع مالي ومتاعي وذروني وديني نشتريه منكم بمالي ، ففعلوا ؛ فأعطاهم ماله وتوجّه إلى المدينة . فلمّا دخل المدينة لقيه أبو بكر فقال : ربح البيع يا صهيب ، قال : وبيعك لا يخسر ، وما ذاك يا أبا بكر ! فأخبره بما نزل فيه ؛ وهو قوله : ( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ ) « 1 » . وأمّا سميّة وياسر فقتلا ، وكانا أوّل قتيلين قتلا من المسلمين . وكان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال لهما بمكّة : [ اصبروا يا آل ياسر ، فإنّ موعدكم الجنّة ] « 2 » . وأمّا الآخرون ؛ فإنّهم أعطوا على العذاب بعض ما أراد المشركون من كلمة الكفر وسب الإسلام ؛ وكانت قلوبهم مطمئنّة بالإيمان ، فتركوا وقدموا المدينة ، وفيهم نزل قوله تعالى : مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ « 3 » . ومعنى قوله : ( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ) على هذا التأويل الذي ذكرناه : ومن الناس من يشري نفسه ودينه بماله . وعن عمر وعليّ رضي اللّه عنهما : أنّهما قالا

--> ( 1 ) أخرجه الحاكم في المستدرك : كتاب معرفة الصحابة : باب ذكر هجرة صهيب : الحديث ( 5759 ) عن سعيد بن المسيب مرسلا . والطبراني في المعجم الكبير : ج 8 ص 29 : ذكر وفاة صهيب : الحديث ( 7290 ) مرسلا . ( 2 ) نقله الهندي في كنز العمال ، ونسبه للطبراني والخطيب : النص ( 33568 ) . ( 3 ) النحل / 106 .